الوصول إلى باء لا يبدأ من واجهة كبيرة تكشف المكان كله.
مدخله جانبي، أسفل عمارة سكنية في حي الرفيعة بالرياض. وعند الباب سجادة مكتوب عليها:
WE BAKE YOU FEEL LIKE HOME

عبارة خفيفة، لكنها تقول شيئًا كان موجودًا في فكرة باء قبل أن توجد السجادة نفسها: أن يكون المكان دافئًا ومريحًا، وقريبًا من الإحساس الذي نربطه بالبيت.
المثير أن الفكرة لم تبقَ عند الباب.
خلال حديثنا مع زوار باء، تكررت أوصاف متقاربة: مكان حنون، فيه أُلفة، فيه روح. وبعضهم قال ببساطة إنه يشبه البيت.
ولم يكن هذا الوصف مفاجئًا تمامًا لأصحاب المكان. قبل أن يعرفوا أين سيكون باء أصلًا، كانت لديهم رغبة في صنع مكان بهذا الشعور.
من هنا بدأ سؤالنا:
إذا كان إحساس البيت مقصودًا منذ البداية، فما الذي يمكن فعلًا تصميمه؟ وما الذي لا يتكوّن إلا بعد أن يبدأ الناس في استخدام المكان؟
البداية كانت من الحي
بدأ البحث عن موقع لباء عام 2018. ثم جاءت فترة كورونا وتوقفت الأمور، قبل أن يظهر لاحقًا موقع قريب جدًا من العائلة، في الحي نفسه الذي يسكنون فيه.
لم يكن الاختيار واضحًا للجميع وقتها.
كان حي الرفيعة أكثر هدوءًا وأقل حركة مما هو عليه اليوم، وبعض من حولهم تساءلوا عن افتتاح مقهى داخل حي سكني بدل اختيار موقع تجاري أوضح.
لكن القرب من البيت صنع علاقة مختلفة بالمشروع.
العائلة لا تحتاج إلى ترتيب زيارة لباء. هم يعيشون بالقرب منه. يمرون عليه، يجلسون فيه، ويتابعون ما يحدث داخله. والد بدور، الذي يحب النباتات، قد يمر في وقت هادئ ليسقيها. وبعض الأشياء التي تُشترى أصلًا للمنزل تجد طريقها لاحقًا إلى المقهى.
باء، بهذا المعنى، ظل قريبًا من حياتهم اليومية.
والموقع نفسه كان يحمل أشياء لم يبدأ بها المشروع من الصفر.
فوق المقهى مساكن، وبالقرب منه وادي حنيفة، وعند إحدى زواياه شجرة كانت موجودة قبل باء.
كانت أصغر وقت الافتتاح.
ثم كبرت.
وكبر باء حولها.

اليوم ترتبط الجلسات الخارجية والإضاءة والحركة حول المكان بالشجرة إلى درجة يصعب معها تخيل تلك الزاوية من دونها.
لم تُزرع الشجرة من أجل المقهى.
كانت هناك أولًا، ثم أصبحت مع السنوات جزءًا منه.
أكثر من طريقة للبقاء
في الداخل، هناك أشياء أمكن التفكير فيها منذ البداية بشكل أوضح.
باء لا يقدم نوعًا واحدًا من الجلسات. هناك الصالة والكنبة، وطاولات مختلفة، ومكتب صغير بكرسي واحد لمن يريد مكانًا أكثر هدوءًا، ثم الجلسات الخارجية.

قد لا تكون هذه أول الأشياء التي تلفت النظر في الصور، لكنها تغيّر طريقة استخدام المكان.
من جاء مع مجموعة يستطيع أن يجلس بطريقة. من جاء للعمل سيبحث غالبًا عن شيء آخر. ومن يريد أن يكون وحده قليلًا لا يحتاج إلى أن ينعزل تمامًا عن بقية الناس.
نحن نفعل شيئًا مشابهًا في البيت من دون أن نفكر فيه كثيرًا. لا نستخدم كل زاوية بالطريقة نفسها، ولا نريد الدرجة نفسها من الخصوصية طوال اليوم.
هذا لا يعني أن على المقهى أن يقلد غرف المنزل.
لكن يمكن للمكان أن يعطي الناس أكثر من طريقة ليكونوا فيه.
هناك أيضًا الخشب والنباتات المنتشرة في الداخل والخارج. والد بدور كان يذهب معها منذ بدايات باء إلى المشاتل لاختيار بعضها، وما زال يهتم بها حتى اليوم.

يمكن اختيار وجود النباتات ضمن تصميم المكان.
لكن أن تبقى هذه النباتات حية بعد سنوات يحتاج إلى شيء آخر: أن يعود شخص ليسقيها، وينقلها، ويعتني بها، ويلاحظ أنها كبرت.
وهنا يبدأ الفرق بين المكان كما خُطط له، والمكان كما يُعاش.
بعد الافتتاح
غالبًا نرى المشاريع الجديدة في أفضل لحظة ممكنة.
المواد جديدة. الأثاث في مكانه. لا آثار استخدام بعد. وكل شيء قريب قدر الإمكان من الصورة التي كانت في ذهن أصحابه.

باء لم يصل إلى يوم الافتتاح بهذه السهولة.
استعانت العائلة في البداية بمصمم، لكن تكلفة تنفيذ المشروع كما خُطط له كانت أعلى مما كان متاحًا لهم وقتها. دخلوا بأنفسهم في أجزاء من العمل، واشتروا المواد، وتابعوا التنفيذ.
ولم تخرج كل التفاصيل كما أرادوها.
بعضها أزعجهم فعلًا.
تقول بدور عن تلك الفترة:
«أنا أشوف إنه بيت بسبب الأغلاط اللي صارت فيه… واستوعبنا إن هذي الأغلاط هي اللي خلت باء اليوم هو باء.»بدور
من السهل أن نأخذ هذه الجملة ونحولها إلى مديح للأخطاء. وهذا ليس المقصود.
الأخطاء لم تكن جميلة بالنسبة لهم عندما حدثت.
المثير هو أنهم عاشوا معها.
مر الوقت، واستخدم الناس المكان، وأصبحت بعض التفاصيل التي كانت بعيدة عن الصورة الأولى جزءًا من باء كما يعرفونه اليوم.
تغيّر المكان، وتغيّرت نظرتهم إليه معه.
يوم الافتتاح لم يكن نهاية القصة. كان اليوم الذي بدأ فيه الواقع يضيف أشياءه الخاصة.
وبعض هذه الأشياء جاء من العائلة نفسها.
والدة بدور تقرأ الكتب، وعندما تنتهي من أحدها توقع عليه ثم تضعه في المكتبة الصغيرة. ويمكن لزوار باء استعارة هذه الكتب.

وفي مكان آخر، خلف بار تحضير القهوة، فوق رف مرتفع قد لا تنتبه إليه من أول زيارة، توجد تحفة صغيرة على شكل ببغاء.
بقيت مع العائلة قرابة ثلاثين عامًا. كانت هدية لوالدي بدور عندما انتقلا إلى منزلهما الأول، ثم وصلت بعد سنوات إلى باء.

اللافت فيها أنها لا تحاول لفت الانتباه.
قد تزور باء أكثر من مرة من دون أن تراها، وقد تراها من دون أن تعرف قصتها.
هي موجودة ببساطة لأن لها مكانًا في حياة أصحاب باء، ثم صار لها مكان في باء أيضًا.
وهناك أشياء أخرى تأتي وتذهب. صور، وقطع صغيرة، وأشياء تختارها العائلة أحيانًا وهي تتسوق للمنزل ثم تجد طريقها إلى المقهى. تكبر النباتات، ويتغير ما يوجد في الصالة.
لم تبقَ شخصية باء نسخة ثابتة من يوم افتتاحه.
مكتب لشخص واحد
في أحد أجزاء المقهى يوجد مكتب صغير بكرسي واحد.

هو أكثر هدوءًا من بقية الجلسات، لكنه ليس غرفة مغلقة. يمكن لشخص أن يجلس فيه وحده، ويبقى في الوقت نفسه داخل حركة المكان.
وأحيانًا توضع على المكتب دفاتر وأقلام.
مع السنوات امتلأت هذه الدفاتر برسائل كثيرة.
في إحدى الصفحات كتب شخص أنه يزور الرياض للمرة الأولى، وأن باء كان من أول الأماكن التي ذهب إليها. كان لديه مقابلة وظيفية، وكان خائفًا، وطلب ممن يقرأ رسالته أن يدعو له.
تمر أشهر في الدفتر نفسه.
ثم يظهر الشخص مرة أخرى.
هذه المرة يكتب أنه عاد إلى باء. حصل على الوظيفة، وأصبح يعيش في الرياض، وكان سعيدًا بالعودة إلى المكان الذي كان من أول محطاته في المدينة.
المكتب لم يُصمم لهذه القصة.
كان مكانًا لشخص واحد. صادف أن أمامه دفترًا، فكتب فيه. وبعد أشهر عاد إلى المكان نفسه، لكن حياته تغيرت قليلًا.
هنا تصبح كلمة «الألفة» أقل غموضًا.
فالأماكن لا تصبح قريبة منا بسبب شكلها وحده. أحيانًا يرتبط مكان بمرحلة من حياتنا، أو بحدث صغير وقع فيه، ثم نعود إليه فنجد الذكرى ما زالت هناك.
الدفاتر ليست الشيء الوحيد الذي أضافه الزوار.
هناك هدايا، ورسومات، وصور للموظفين، وأشياء صغيرة وجدت مكانًا لها على الرفوف.
وعندما سألنا بعض الزوار عن «روح» باء، لم تكن إجاباتهم كلها عن الأثاث أو الضوء أو النباتات.
تكرر الحديث عن الناس.

عن وجود العائلة في المكان، وعن طريقة تعاملهم مع الزوار، وعن شيء من هذه الطريقة امتد مع الوقت إلى العاملين فيه.
قرب العائلة من باء يساعد على تفسير جزء من ذلك. هم يسكنون في الحي نفسه، ولذلك حضورهم في المكان متكرر وطبيعي.
وحتى علاقة باء بالحي ظهرت في حديث بعض سكان الرفيعة. ذكر عدد منهم أن الحي كان أكثر هدوءًا، وأن المقهى أصبح مكانًا التقوا فيه بأشخاص من المنطقة لم يكونوا يعرفونهم من قبل.
لا يعني ذلك أن باء غيّر حيًا كاملًا.
لكن وجود مكان قريب يعود إليه الأشخاص أنفسهم مرة بعد مرة يعطيهم فرصة إضافية للقاء.
وهذا جزء مما حدث هنا.
ما الذي يمكن تصميمه إذن؟
بعد أربع سنوات، يمكن تمييز بعض الأشياء التي كانت تحت سيطرة التصميم.
يمكن التفكير في أنواع مختلفة من الجلسات، وصنع أماكن أهدأ من غيرها، واختيار المواد، وإدخال النباتات، وربط الداخل بالخارج، والاستفادة من شجرة كانت موجودة أصلًا.
هذه قرارات حقيقية، ولها أثر حقيقي في تجربة المكان.
لكنها لا تفسر كل ما أصبح عليه باء.
الشجرة لم تكن بهذا الحجم.
الكتب لم تكن كلها على الرف.
الدفاتر كانت فارغة.
بعض القطع لم تصل بعد.
والشخص الذي كتب قبل مقابلته الوظيفية لم يكن أحد يعرف أنه سيعود بعد أشهر ليكتب الصفحة التالية من قصته.
خلال العمل على هذا المقال رافقتنا دراسة للباحثة جوديث سيكسسميث عن معنى البيت، نُشرت عام 1986. حاولت فيها فهم ما يعنيه البيت للناس من خلال تجاربهم اليومية.
لم يظهر معنى البيت مرتبطًا بالمكان المادي وحده. دخل فيه أيضًا ما يعنيه المكان للشخص، والأشخاص والعلاقات والتجارب المرتبطة به.
هذا قريب مما نراه في باء.
فالتصميم يستطيع أن يؤثر في البداية: كيف نجلس، مقدار الهدوء، ما نراه ونلمسه، ومدى سهولة أن نبقى في المكان.
لكنه لا يستطيع تحديد كل ما سيحدث بعد ذلك.
وهذه ليست مشكلة في التصميم.
هي ببساطة طبيعة المكان عندما يبدأ الناس في استخدامه.
وما الذي يمكن أن يأخذه المصمم من باء؟
ليس وصفة.
نسخ الكنبة والخشب والنباتات والمكتبة قد يصنع مكانًا قريبًا من باء في الصورة، لكنه لا يضمن أن يعيش الناس معه بالطريقة نفسها.
ربما ما يقدمه باء للمصمم هو مجموعة مختلفة من الأسئلة.
هل يمنح المكان الشخص أكثر من طريقة ليكون فيه: وحده، مع الآخرين، لفترة قصيرة، أو لساعات؟
هل يستطيع المكان أن يتغير مع الاستخدام من دون أن يفقد شخصيته؟
هل ترك التصميم مساحة لأصحاب المكان ومستخدميه كي يضيفوا شيئًا منهم، أم أن كل شيء حُسم قبل أن يدخل أول شخص؟
وماذا يحدث للمشروع بعد أن ينتهي دور المصمم؟ من سيعتني به، ويغيره، ويضيف إليه، ويحافظ على الأشياء الحية فيه؟
ثم هناك سؤال أكبر:
هل نصمم شكل التجربة فقط، أم نصمم أيضًا الظروف التي تسمح للعلاقة مع المكان أن تنمو مع الوقت؟
باء لا يعطي إجابة واحدة عن هذه الأسئلة.
لكنه يوضح الفرق بين شيء يستطيع المصمم أن يقرره، وشيء لا يبدأ إلا عندما يستخدم الناس المكان.
وعند الخروج من باء، تمر مرة أخرى فوق السجادة:
WE BAKE YOU FEEL LIKE HOME
بعد قضاء وقت أطول معه، تبدو العبارة أقل ارتباطًا بشكل البيت، وأكثر ارتباطًا بالطريقة التي يصبح بها مكان ما مألوفًا.
تأتي إليه أول مرة ولا تعرفه.
ثم تعود.
تبدأ في معرفة أين تحب أن تجلس.
تلاحظ أن الشجرة كبرت.
أن شيئًا فوق رف لم تلحظه من قبل.
أن وجهًا رأيته في زيارة سابقة موجود مرة أخرى.
وربما بعد أشهر تعود إلى المكتب نفسه، لكن حياتك هذه المرة مختلفة قليلًا.
هذا الجزء لا يمكن تصميمه كاملًا.
لكن يمكن تصميم مكان يترك له مساحة لكي يحدث.

