هل يمكن تصميم إحساس البيت في الأماكن التجارية؟

من مقهى باء في حي الرفيعة بالرياض،
عن الأماكن التي نعود إليها، ولماذا نعود.

باب أخضر بزجاج مربّعات داخل باء، يدخل منه ضوء الصباح، وعن يمينه لوحات صغيرة مؤطَّرة على الجدار، وعن يساره نبتة كبيرة
«باب باء من الداخل، الساعة ٦:٤٤ صباحًا»

بيوت وأماكنالرياض٥ أكتوبر ٢٠٢٦

«هذا المكان كأنه بيت.»

نشعر بهذا الإحساس أحيانًا ونحن جالسون في مقهى نحبه، مع أن من حولنا غرباء، ودخلنا لنشتري قهوة، وسنخرج بعد ساعة.

وجدنا هذا بالضبط في مقهى باء، مكان يصفه الناس عادةً بأنه «حنون»، فيه أُلفة، ويشبه البيت. وهذا ما أثار فضولنا:

كيف يأتي إحساس البيت إلى الأماكن التجارية؟
وما الذي نقصده حين نصفها بهذه الكلمات؟

أسّس باء الإخوة بدور وعبدالله وعبدالمجيد باشميل، وكان والدهم، العم خالد، ووالدتهم نورا معهم من البداية. قبل أن تختار العائلة شكل المقهى، كانت تريد مكانًا دافئًا ومريحًا، وأقرب ما يكون إلى شعور التواجد في البيت.

استعانوا بمصمم، لكن تنفيذ التصميم تجاوز ميزانيتهم، فشاركوا بأنفسهم في أجزاء من العمل: اشتروا المواد وتابعوا التنفيذ.

سألنا بدور عن فترة البناء: هل كان كل شيء في باء مقصودًا ليشبه البيت؟ فقالت:

«أنا دايمًا أشوف إن باء كأنه بيت بسبب الأغلاط اللي صارت فيه… كنا مهتمين بالتفاصيل وزعلانين… ليش الشبابيك ما كانت قاعدة تصير نفس اللي نبغاها… سبحان الله، بعد ما شفنا أغلاطه وصاروا الناس يحبونها، صرنا إحنا حتى نحبها زيادة.»

مقتطف من مقابلتنا مع بدور0:34

لم يخرج كل شيء كما في المخططات والصور المرجعية، لكن العائلة كانت تعرف الشعور الذي تريده، وهذا ما ساعدها على تجاوز تلك الفترة.

رف خشبي عليه أكواب وإبريق على شكل طائر، وتحته صور فوتوغرافية معلّقة على جدار من البلاط الأبيض
«صور العائلة والموظفين في باء»

لكن ماذا عن الزائر الذي لا يعرف شيئًا من هذه القصة؟ من أين يأتيه إحساس البيت: من التصميم، أم من موقع باء داخل حي سكني، أم من العائلة؟

كيف يصبح المكان مألوفًا؟

نبدأ من التصميم، لأنه أول ما يقابلنا في أي مكان.

حين ندخل مقهى لأول مرة، نعتمد على أعيننا. نتلفّت في المكان، وننظر إلى الألوان والإضاءة، ونبحث عن جلسة تجذبنا، ونحاول أن نعرف كيف نتحرك فيه، ونشعر بشيء من الارتباك.

ثم نعود إليه مرة بعد مرة. صرنا نعرف أين سنجلس، وماذا سنطلب، ومن سيستقبلنا، ولا نحتاج أن نفكر في ذلك. تصبح زيارته عادة من عاداتنا، ونتحرك فيه بتلقائية. هذا ما يسمّى المألوفية (Place Familiarity)، أي معرفتنا بالمكان التي تأتي من تكرار الزيارة، وتجعل وجودنا فيه أسهل.

وهذا ما لاحظه باحثون سألوا أشخاصًا عن أماكن تجارية يحبونها، مثل المقاهي والمطاعم. وجدوا أن المألوفية أحد الأشياء التي تصنع ما سمّوه إحساس البيت، وهو الوصف نفسه الذي سمعناه من زوار باء.

المألوفية تحتاج وقتًا وزيارات كثيرة. لكن بعض الأماكن نرتاح لها من أول زيارة. قد تلتقط أعيننا إضاءة دافئة، أو قطعًا اعتدنا رؤيتها في البيوت، أو مكتبة صغيرة تمنينا مثلها، فنشعر بشيء من الأُلفة قبل أن نعتاد المكان.

في باء مثلًا، أول ما تقع عليه عيناك عند الدخول جلسة الكنبة، وإلى جانبها طاولة وكراسي خشبية. وفوق الكنبة رفوف تحمل كتبًا وقطعًا صغيرة، مثل أرنبين خزفيين ومزهريات ملوّنة، وتحيط بالجلسة النباتات والمصابيح. تشعر من أول زيارة أن للمكان شخصية. تقول بدور إن القطع اختارتها هي ووالدتها.

كنبة بوسائد مربّعات أمامها طاولة خشبية، وفوقها رفّان عليهما مزهريات وأرنبان خزفيان وكتب
«جلسة الكنبة، أو "الصالة" كما تحب العائلة أن تسمّيها»

فهل تصميم المكان وحده ما يجعل الناس يقولون عن باء «كأنه بيت»؟ أم شيء يشعرون به وهم فيه؟

ما الذي يجعل المنزل بيتًا؟

في الإنجليزية كلمتان لما نسميه بالعربية منزلًا وبيتًا: House للمنزل، الهيكل المادي بجدرانه وغرفه، وHome للبيت، المكان الذي نشعر فيه بالانتماء والراحة.

لهذا قد ننتقل إلى منزل جديد ونجده كما أردناه: الغرف التي اخترناها، والأثاث الذي رتّبناه بأنفسنا. ومع ذلك نمضي فيه الأيام الأولى كأننا ضيوف. كل ما فيه لنا، ولم يصبح بيتنا بعد. نحتاج وقتًا لنعتاده، ولتتكوّن فيه ذكرياتنا، حتى نشعر بالانتماء إليه.

ربما يقصد زوار باء بـ«كأنه بيت» مكانًا اعتادوه، وعاشوا فيه لحظات يتذكرونها. وإن كان هذا ما يقصدونه، فالتصميم يستطيع أن يصنع منزلًا بجدرانه وأثاثه، لكن إلى أي حد يساعد على أن يصير بيتًا؟

مكان تعوّدنا عليه أم مكان تعلّقنا به؟

بعض المقاهي نعرفها جيدًا، ونزورها كل أسبوع، ثم تُغلق. نفتقدها أيامًا، ولا نجد صعوبة في أن نستبدلها بمكان آخر.

لكن هناك أماكن قليلة لا نتخيل أن يكون لها بديل. عشنا فيها فترة من حياتنا، أو كوّنّا فيها صداقات وعلاقات، أو نعرف أننا سنجد فيها من يعرفنا كلما عدنا. هذا ما يسمّى التعلّق بالمكان (Place Attachment)، أي شعور عاطفي يجمعنا بالمكان، يتكوّن مما عشناه فيه، وما نتوقع أن نعيشه حين نعود إليه. والمألوفية قد تكون بداية هذا التعلّق، لكنها لا تكفي وحدها. فما الذي يكمّلها؟

جزء من الجواب في باء يأتي من الحي نفسه. يقع باء داخل حي الرفيعة، مطلًّا على وادي حنيفة، وعند الزاوية شجرة كبيرة.

شارع يؤدي إلى مبنى باء، وعلى يساره حافة وادي حنيفة وبيوت الحي في الأفق
«الطريق إلى باء، وعلى يساره حافة وادي حنيفة»
شجرة كبيرة كثيفة عند زاوية عمارة سكنية، وتحتها واجهة المقهى وسيارات متوقفة
«الشجرة الكبيرة عند زاوية باء»

تصف مشاعل، وهي من سكان الحي، كيف تغيّرت علاقتها بجيرانها مع افتتاح باء:

«أول ما فتح باء شفت جيراننا، أول مرة أشوفهم برى البيوت. فحسّيت إن باء جمع الجيران، يعني صاير شيء روتيني. نطلع من البيت عشان نروح الدوام، لا والله، أول نروح باء ناخذ قهوة ونمشي. نشوف بدور، نسلّم عليها ونروح.»

مقتطف من مقابلتنا مع مشاعل0:42

ما تصفه مشاعل هو ما يُعرف بالمكان الثالث. البيت هو المكان الأول، والعمل هو الثاني، والمكان الثالث مكان عام نقصده بينهما، ونلتقي فيه بالناس.

مشاعل جالسة مبتسمة على كنبة باء تحت الرفوف
«مشاعل، أثناء حديثنا معها»

العائلة التي بنت باء لم تغب عنه بعد الافتتاح. تسكن في الحي، ويمر أفرادها عليه باستمرار. العم خالد مهتم بالنباتات، ويأتي بين فترة وأخرى ليطمئن عليها ويعتني بها. وتأتي بدور أحيانًا لتغيّر بعض التفاصيل أو تستبدلها.

والدتهم نورا تقرأ كتبًا، وحين تنتهي من كتاب توقّع عليه وتضعه في مكتبة المقهى ليستعيره الناس. وبعضهم يتركون فيها كتبهم أيضًا.

مكتبة خشبية عليها كتب ونباتات، بجانبها نبتة طويلة وطاولة مستديرة
«مكتبة باء، وفيها كتب الخالة نورا وكتب تركها الزوار»
تاريخ وتوقيع نورا بخط اليد على الصفحة الأولى من كتاب
«توقّع الخالة نورا على الكتب التي تنتهي من قراءتها، مع التاريخ»

لاحظنا أن العائلة تضع في المقهى دفاتر، يشاركها فيها الزوار ما يشعرون به، أحيانًا برسمة، وأحيانًا بكلمات.

رسمة ملوّنة لبيت مكتوب عليه «باء» تحيط به قلوب ونجوم، وتحته جملة بخط اليد
«رسمة من دفتر باء: "المنزل هو أينما كنا وعن باء"»
ورقة بيج من دفتر باء عليها كلمات بخط اليد كتبها زائر عن يومه في المقهى
«من دفتر باء: "استمتعت في يومي بجلستي في مقهى تفاصيله تعبر وتلامس جوانب في شخصيتي ومشاعري واكتشفت إن اليوم مر علي سنة بالضبط على معرفتي بالمقهى"»
لوحات مائية مؤطَّرة لباء معلّقة على جداره، ولوحة قرميد مكتوب عليها BAA وقلب أحمر
«رسومات من الزوار عن باء»

يترك الزوار في باء رسمات على الجدران، وكتبًا في المكتبة، وكلمات في الدفاتر. ووجد الباحثون شيئًا قريبًا من هذا: حين يصل الزبائن إلى إحساس البيت، يتصرف بعضهم كأنهم لم يعودوا زبائن، فيساعدون في أمور صغيرة دون أن يطلب منهم أحد، ويهدون المكان أشياء، ويأتون إليه بمن يحبون من أصدقائهم وأهلهم، ويعرّفونهم عليه كأنهم أصحاب المكان.

هل يمكن أن ننقل مكانًا تعلّقنا به؟

بينما كنا نفكر في ما يجعل الناس يتعلّقون بباء، خطر لنا سؤال آخر: ماذا يحدث حين يحاول أصحاب مكان كهذا أن ينقلوه إلى مكان آخر؟

كثير من المقاهي التي نحبها تفتح فروعًا جديدة. نذهب إلى الفرع فنجد القائمة والأكواب نفسها، وأحيانًا الجلسات. نعرف أين نجلس وماذا نطلب من أول زيارة. لكننا نخرج ونحن نشعر أنه ليس المكان نفسه.

ربما لأن ما ينتقل إلى الفرع هو المألوفية فقط، أي ما نعرفه عن المكان. أما التعلّق، فلا ينتقل بهذه السهولة.

وفي باريس، تابع الباحثون أنفسهم مكانًا كان له زبائن دائمون، ثم أُغلق، وفُتح بعده مكانان. الأول في المبنى القديم، وبقيت فيه المدفأة في مكانها، لكن تغيّر من يعملون فيه وتغيّرت طريقة الاستقبال، فقال الزبائن القدامى إن روح المكان ذهبت. والثاني في شارع قريب وبديكور جديد، تديره نادلة كانت تعمل في المكان القديم، فقالوا إنهم وجدوا بيتهم من جديد.

المثير هنا أن جزءًا من الشعور انتقل مع النادلة: كانت تعرفهم، وتستقبلهم كما اعتادوا. لكن ذكرياتهم بقيت في المبنى القديم، ولم تنتقل معهم.

وهذا يحدث لنا أيضًا. نعود بعد سنوات إلى مكان من ماضينا فنجده مختلفًا، أو نجد مكانه أرضًا فارغة، ومع ذلك نقف عنده. نقف من أجل ما شعرنا به في تلك الفترة. وكأنه احتفظ بذكرياتنا كما كانت، بينما تغيّرنا نحن وتغيّرت ظروفنا.

هايل وغازي من سكان الحي. سألناهما عن باء، فتحدثا عن عادة تكوّنت لهما، وهي مثال على تعلّق بالحياة التي صنعها باء في الحي.

هايل وغازي جالسان على كنبة باء، والكاميرا ظاهرة في طرف الصورة
«هايل وغازي، من جيران باء، أثناء تصوير حديثنا معهما»

قال هايل:

«اللي يميّز باء هنا بالذات إنه حاطّين أنوار، فحرفيًا أنت بآخر الحارة تشوف الأنوار، تحس إنه فيه حياة في المكان. بتنطفي الأنوار، يعني بينطفي روح الحي كامل.»

ثم أكمل غازي:

«حتى لو إحنا برى وراجعين من مشوار، لا إراديًا تلاقينا نطوّل المشوار عشان نعدّي من عند باء. يعني ما نبغى شيء، بس نبغى نشوف باء ونروح البيت. بنعدّي ونطمن ونمشي.»

مقتطف من مقابلتنا مع هايل وغازي0:34

عادتهما مرتبطة بهذه الحارة، ولن تنتقل مع باء لو انتقل. لكن حين نفهم كيف تتكوّن هذه العادات، نستطيع أن نصمّم مكانًا يهيّئ لها الظروف، ويسمح بأن تتكوّن فيه عادات جديدة تُشبهها.

هل يمكن تصميم إحساس البيت؟

باء ليس المكان الوحيد الذي يشعر فيه الناس بالأُلفة، لكنه حالة نادرة في الرياض، ولهذا لفت انتباهنا. فهو مقهى داخل حي هادئ، مطلّ على الوادي.

أصحابه يسكنون في الحي نفسه، ويمرّون عليه باستمرار. اختاروا تفاصيل المكان بذوقهم، وتركوا فيه مكانًا لما يضيفه الزوار، من رسمات على الجدران وكلمات في الدفاتر. واجتمع هذا كله في مكان واحد، فكانت الأُلفة والتعلّق عند الزوار نتيجة طبيعية.

واجهة باء: لافتة المقهى فوق المدخل، والباب الأخضر، ونوافذ بمصاريع خضراء، ولمبات صفراء معلّقة
«باء من الخارج، في صباح يوم غائم»

ما رأيناه في باء قد يفيد المصممين وأصحاب الأماكن. اختيار القطع بذوق شخصي يعطي المكان شيئًا من شخصية أصحابه. والمكان لا يحتاج أن يكون كاملًا من البداية، فترك مساحة فيه للزوار يشجعهم على أن يضيفوا إليه. والشكل وحده لا يكفي دون عناية مستمرة بعد الافتتاح.

للتصميم دور أساسي، فهو غالبًا أول ما يجذبنا إلى مكان لا نعرف عنه شيئًا. لكن أصدق ما سمعناه عن حدوده جاء من بدور نفسها: باء صار كأنه بيت في نظرها بسبب "الأغلاط". ما لم يخرج كما صُمِّم صار جزءًا مما أحبّه الناس.

التصميم يهيّئ المكان، لكن البيت يتكوّن مما يحدث بعده. صاحب مقهى يجدّد مكانه قد يغيّر الجلسة التي اعتادها زواره، أو يستبدل الموظف الذي يعرفهم ويعرف طلباتهم، دون أن ينتبه أنه غيّر ما كان يعيدهم إليه.

وفي الرياض، كثير من المقاهي تشتهر فترة ثم تُنسى، بينما في مدن حول العالم محلات عمرها عقود، وما زال الناس يعودون إليها. إن أردنا أماكن تجارية تبقى لسنوات، فنحتاج أن نفهم لماذا نتعلّق بالأماكن في سياقنا المحلي. أغلب ما قرأناه عن ذلك جاء من دراسات في مدن بعيدة عنا، وتنقصنا دراسات ميدانية من هنا. لكن تجاربنا مع الأماكن التي نحبها تساعدنا. يكفي أن تتذكر مكانًا في مدينتك لا ترى له بديلًا، وتسأل نفسك، وتفتح الحديث مع من يعرفه معك: لماذا هذا المكان بالذات؟

عن الكاتب

فيصل خالد

طبيب ومؤسس المَبنى. جاء إلى العمارة والتصميم بخلفية في الطب، ويهتم بالقرارات التي تشكّل الأماكن، وما يحدث فيها حين يعيشها الناس.

مصطلحات مرّت في المقال

المألوفيةPlace Familiarity

معرفة عملية بالمكان تتكوّن بتكرار زيارته، فنعرف أين نجلس، وماذا نطلب، ومن سيستقبلنا، وتصبح حركاتنا فيه تلقائية وروتينية.

الأُلفة

شعور بالراحة والقرب من المكان، قد يأتي من الزيارة الأولى حين يشبه أماكن عرفناها أو تمنيناها.

إحساس البيتHomeyness

شعور الزائر بأن المكان التجاري يشبه بيته، ويتكوّن حين تجتمع فيه المألوفية والأصالة والأمان.

التعلّق بالمكانPlace Attachment

شعور عاطفي يجمعنا بالمكان مع الوقت، ويتكوّن مما عشناه فيه، وما نتوقع أن نعيشه حين نعود إليه.

المكان الثالثThird Place

مكان عام نلتقي فيه بالناس، والمقاهي من أبرز أمثلته. سُمّي «ثالثًا» لأن البيت هو المكان الأول، والعمل هو الثاني. صاغ المصطلح عالم الاجتماع راي أولدنبرغ.